ما إن يلوح في الأفق توجيه حكومي جديد يتعلق بجانب من حياة العراقيين، بأهمية قضية السكن مثلا، حتى ينقسم الشارع بين امل لا زال ينبض في صدور العائلات التي اتعبها الإيجار، وشك راسخ في الذاكرة بعد ثلاثة وعشرين عاما من الوعود التي لم تغادر الورق.
اليوم، ومع توجيه رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي بتخصيص قطع أراض للمحرومين من السكن، يقف الانسان العراقي حذرا يقلب صفحات الماضي المليئة بمشاريع متعثرة، وعلى رأسها مبادرة “داري” التي انتهت إلى لا شيء، متسائلا، هل نحن أمام فرصة حقيقية لامتلاك حلم طال انتظاره، أم أننا بصدد تكرار سيناريو المجمعات السكنية التي شيدتها شركات استثمارية، فصارت قصورا للفئات الميسورة فيما ظلت بمنزلة الحسرة لأصحاب الدخل المحدود، بعيدا طبعا عن تجربة “بسماية” الفريدة التي ظلت حتى الآن، الاستثناء الوحيد الذي يؤكد قاعدة الفشل في قطاع الإسكان.
لم يقابل العراقيون وعد رئيس مجلس الوزراء العراقي الجديد بتوزيع الاراضي بجدية نتيجة تجاربهم الفاشلة السابقة طيلة أكثر من 23 عاما مع رؤساء الوزراء السابقين الذين طرحوا وعودا مماثلة لم تنفذ، فيما تواصل تنفيذ مشاريع العمارات السكنية غير الناجحة (عدا بسماية) كما أسلفنا، فلم يستطع أي مواطن محدود الدخل شراء شقة بفعل الارتفاع الجنوني في أسعارها.
في الاخبار ايضا، ان الهيئة الوطنية للاستثمار، وجهت كتابا إلى هيئات الاستثمار في المحافظات كافة، يتضمن قرارا صادرا عن رئيس الوزراء مجلس الوزراء يقضي بالتريث في منح الإجازات الاستثمارية للمجمعات السكنية والمطورين العقاريين. فهل أن الوعود الجديدة للحكومة قابلة للتنفيذ.. وهل تختلف عن وعود الحكومات السابقة بما فيها مشروع “داري” الذي قدم له ملايين العراقيين باعتراف الحكومة للحصول على سكن عائلي ولكن لم يحصل أي أحد على ذلك.
يمكن القول إن خطة الزيدي لتوزيع قطع أراضي سكنية على المواطنين الذين لا يملكون مسكنا، تختلف في جزئياتها المعلنة عن المبادرات السابقة، والاختلاف يتمثل في اعتماد الخطة على “موديل متنوع وتشاركي”، بحسب الزيدي، يهدف إلى إشراك رجال الأعمال والقطاع الخاص في تهيئة الأراضي وخدماتها (البنى التحتية)، بدلا من الاعتماد الكلي على ميزانية الدولة، فيما لفت إلى استغلال “المنافع الاجتماعية” لشركات النفط والكهرباء لتنفيذ البنى التحتية، على أن تتحمل خزينة الدولة المبالغ المتبقية لضمان إنهاء أزمة السكن في البلاد ،وهو ما يطرح كبديل لمحاولة تجنب الضغط المباشر على السيولة النقدية للخزينة.
من الناحية العملية، ما يزال الحكم على نجاح هذه الخطوات مبكرا، لكن التشكيك الشعبي له ما يسوغه تاريخيا، وهناك الفوارق الجوهرية التي يراقبها المختصون، ومنها ان مشروع “داري” مثلا في زمن حكومة مصطفى الكاظمي وما سبقه كانت تعاني من البيروقراطية وتعقيد الإجراءات في تدقيق البيانات، فضلا عن افتقارها للتمويل المطلوب لتوفير الخدمات الأساسية (الماء، الكهرباء، الصرف الصحي) للأراضي الموزعة، مما جعلها في الغالب أراض جرداء بعيدة عن مراكز الخدمات.
والآن أيضا، تبقى العبرة في التنفيذ الفعلي وتوفير الخدمات، فمشكلة السكن في العراق ليست في ندرة الأرض بقدر ما هي في توفير أرض مخدومة صالحة للسكن، وبناء وحدات سكنية بأسعار تتناسب مع ذوي الدخل المحدود.
ان الإجراءات الأخيرة (التريث في الإجازات) تشير إلى رغبة في تنظيم السوق أولا، وهو توجه يختلف عن التوسع العشوائي في منح الإجازات الذي حدث سابقا، لكن نجاحه مرهون بمدى قدرة الحكومة على محاسبة المطورين المتعثرين وإلزامهم بالجدول الزمني، وفيما تحمل وعود الحكومة الجديدة عناوين مختلفة من حيث الاعتماد على القطاع الخاص والمنافع الاجتماعية، فإن المواطن العراقي ما يزال بانتظار خطوات ملموسة على الأرض تتجاوز مجرد الإعلانات الإعلامية.
إن استعادة الثقة تتطلب رؤية “سندات سكنية” حقيقية، وأراض مجهزة بالخدمات الأساسية، وليست مجرد قوائم انتظار إلكترونية جديدة.
اما ما يتعلق بشركات البناء فلقد تراكمت لدى الناس نتيجة ممارسات الشركات العقارية المحلية في السنوات الماضية، مشاعر المقارنة التي تعقدها بين تجربة “بسماية” والواقع المر في المجمعات السكنية المحلية، الامر الذي جعل المخاوف من “الهيمنة العقارية” هاجسا حقيقيا، فالشركات العقارية المحلية تعاني من نزعة الربح السريع التي تتناقض مع احتياجات التخطيط العمراني السليم، وهي تفضل الاستثمار في مركز بغداد (المناطق المكتظة أصلا) لأن قيمة الأرض فيها مرتفعة، والطلب عليها جاهز من قبل الفئات الميسورة، وهو ما يضمن عائدا استثماريا سريعا؛ و هذا التوجه يفاقم من أزمات الازدحام والتلوث البيئي والضغط على شبكات الكهرباء والماء المتهالكة أصلا في المركز، بدلا من التوسع نحو أطراف المدينة لخلق مدن تابعة كما فعل مشروع بسماية.
فلماذا نجحت بسماية برغم أنها بعيدة عن المركز؟ الامر يعود الى ما اطلق عليه المحللون “الانموذج الكوري” فلقد اعتمدت بسماية على شركة عالمية خاضعة لمعايير بناء دولية، وإشراف مباشر من الدولة في مراحل التخطيط. في المقابل، نجد أن كثيرا من المجمعات السكنية المحلية بنيت بمواصفات تجارية بحتة، اذ يجري تقليص مساحات الشقق، واستعمال مواد بناء رديئة، وافتقار المجمعات للمساحات الخضر أو الخدمات المجتمعية مثل المدارس، والمراكز صحية والأسواق وغيرها، التي جرت الوعود بها عند البيع.
وهنا يعود خوف المواطن من الهيمنة والاحتكار من قبل الشركات العقارية على الأراضي الموزعة وهو تخوف مشروع، فثمة خشية من أن تتحول عملية توزيع الأراضي إلى وسيلة تمنح الشركات الكبرى المقربة من مراكز القرار الحق في شراء هذه الأراضي من المواطنين الفقراء بأسعار بخسة، أو الدخول في شراكات بعضها مشبوه تفرغ الغرض الاجتماعي من محتواه.
وإذا كانت الحكومة لا تملك أدوات رقابية قوية مثل هيئة رقابة عمرانية مستقلة، فإن الشركات ستحول المشاريع السكنية إلى بؤر استثمارية موجهة للنخبة فقط، مما يوسع الفجوة الطبقية بدلا من ردمها. ولضمان عدم تكرار السيناريوهات السابقة، يرى الخبراء أن أي نجاح حقيقي يتطلب، اشتراطات قانونية صارمة بإلزام أي شركة مستثمرة في هذه الأراضي بتوفير خدمات كاملة (بنى تحتية، مدارس، مراكز ترفيهية) قبل البدء ببيع الوحدات، مع فرض غرامات قاسية في حال التلكؤ، ولضمان وصولها لمحدودي الدخل، يجب أن تتدخل الدولة في تحديد سقف سعري للوحدات السكنية، بدلا من ترك السوق للعرض والطلب الذي يهيمن عليه الجشع، كما يتوجب ان يكون الاستثمار في الأطراف، والتوزيع مشروط بالبناء في مناطق مخصصة للسكن، وتوفير خطوط نقل سريعة مثل القطارات وقطارات الانفاق “المترو” ومحطاتها المستقبلية والطرق السريعة وشبكة نقل عام تربط هذه المناطق بالمركز، وهو ما يقلل الضغط على العاصمة ويجعل السكن في الأطراف جذابا.